بين الرمز السياسي وخطر التنازل عن هيبة الدولة


المحرر السياسي

أثار تصريح رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال لقائه بمجموعة من الفنانين، حين قال: “اكتبوا لي ما تريدون وأنا قلمٌ لكم”، موجة واسعة من التساؤلات والقراءات المتباينة ليس بسبب بساطة العبارة فحسب بل لما تحمله من دلالات سياسية ورمزية تصدر عن أعلى سلطة تنفيذية في البلاد.

فالسياسي ولا سيما رئيس الحكومة لا يُقاس فقط بخططه وبرامجه بل أيضاً باللغة التي يستخدمها لأن الكلمات في عالم السياسة ليست مجرد تعبيرات عفوية بل رسائل تُقرأ داخلياً وخارجياً بوصفها انعكاساً لطبيعة القيادة ورؤيتها للدولة.

قد تبدو العبارة في سياقها الإنساني محاولة لإظهار التواضع والانفتاح على الوسط الثقافي والفني وربما أراد منها رئيس الوزراء أن يبعث برسالة مفادها أنه قريب من الناس، مستعد للاستماع إليهم، ومتفاعل مع طموحاتهم، لكن المشكلة في السياسة أن النوايا الحسنة لا تكفي دائماً فبعض العبارات قد تُفسَّر بوصفها تراجعاً عن صورة “رجل الدولة” الذي يفترض أن يقود المشروع لا أن يتحول إلى “قلم” بيد الآخرين.

إن الدولة الحديثة تُبنى على وضوح الأدوار؛ فالفنانون والمثقفون يكتبون رؤاهم وأحلامهم وانتقاداتهم بينما تقع على عاتق رئيس الوزراء مسؤولية صناعة القرار وتحمل تبعاته، ولذلك فإن أي خطاب يوحي بذوبان شخصية القائد داخل رغبات المحيطين به قد يُنتج انطباعاً سلبياً عن طبيعة القيادة وقدرتها على فرض مشروعها الوطني.

وفي بلدٍ معقد مثل العراق الخارج من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة ينتظر الناس من رئيس الحكومة خطاباً يبعث على الحزم والثقة والقدرة على اتخاذ القرار لا خطاباً قد يُفهم باعتباره مجاملة عاطفية مهما كانت نواياه إيجابية.

ومع ذلك، لا يمكن فصل هذا التصريح عن محاولة رسم صورة مختلفة للحاكم العراقي؛ صورة أقل بروتوكولية وأكثر قرباً من الشارع والنخب الثقافية خصوصاً بعد سنوات طويلة ارتبطت فيها السلطة بالخطابات الجامدة واللغة الرسمية الثقيلة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين التواضع الشعبي وهيبة الدولة، بين القرب من الناس والمحافظة على صورة القائد القادر على الإمساك بزمام المشروع الوطني.

إن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى مسؤولين يتحدثون بلغة جديدة بل إلى مشروع حكم متكامل يترجم الأقوال إلى أفعال، ويحوّل الشعارات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في الأمن والخدمات والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.

فالجمهور قد ينسى عبارة قيلت في لقاء عابر لكنه لن ينسى النتائج التي ستصنعها الحكومة على أرض الواقع.

شاهد أيضاً

اشهر مواقع الدردشة العراقية

اشهر مواقع الدردشة العراقية والتي احتلت الصدارة من ناحية عدد المستخدمين ومرات الدخول من كافة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *