فساد بلا وجوه… حين تتحول ملفات النزاهة إلى أرقام غامضة


المحرر السياسي

أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية عن إحباط محاولة للاستيلاء على مبالغ مالية ضخمة من مصرفي الرافدين والرشيد، في عملية قيل إنها بلغت نحو 1.5 تريليون دينار، عبر صكوك مزورة وعقود بيع وهمية. ورغم خطورة الرقم وضخامة الجريمة، فإن البيان الرسمي جاء، كعادته، مقتضبًا وغامضًا، مكتفيًا بالإشارة إلى “شبكة مكونة من ثلاثة متهمين” دون الكشف عن الجهات الحقيقية التي تقف خلف هذا النوع من العمليات.

وهنا تحديدًا تكمن المشكلة الأعمق في ملف الفساد العراقي؛ فالعراقيون لم يعودوا يصدمون بالأرقام بقدر ما يصدمهم الغياب الدائم للأسماء. فكل مرة تُعلن فيها هيئة النزاهة عن “إحباط محاولة” أو “ضبط شبكة” أو “كشف هدر مالي”، ينتهي الخبر عند حدود العناوين، دون أن يعرف الرأي العام من هم المتورطون الحقيقيون، وكيف امتلكوا القدرة على الوصول إلى مؤسسات مالية بهذا الحجم، ومن وفر لهم الغطاء الإداري أو السياسي أو المصرفي.

إن عمليات بهذا المستوى لا يمكن اختزالها بثلاثة أشخاص فقط، لأن تمرير صكوك بمئات المليارات داخل مؤسسات مصرفية حكومية يحتاج إلى حلقات معقدة من التواطؤ، تبدأ من داخل الدوائر الإدارية ولا تنتهي عند النفوذ السياسي والمالي الذي يحمي الفاسدين. ولذلك فإن الاكتفاء بإعلان “إحباط المحاولة” دون كشف البنية الكاملة للشبكة يجعل الرأي العام يشعر بأن هناك جزءًا مخفيًا من الحقيقة لا يُراد الاقتراب منه.

لقد تحولت بيانات النزاهة، مع مرور الوقت، إلى نشرات أرقام ضخمة بلا تفاصيل حاسمة؛ تريليونات تُهدر، وصفقات تُزوّر، وعقارات تُستولى عليها، لكن الجمهور لا يرى محاكمات علنية كبرى، ولا أسماء ثقيلة تُحاسب أمام الناس، ولا كشفًا واضحًا لمن يقف خلف هذه الشبكات التي تنخر مؤسسات الدولة.

وهذا ما يخلق أزمة ثقة حقيقية بين المواطن وأجهزة مكافحة الفساد. فالمعركة ضد الفساد لا تُكسب فقط بالضبط والإحباط، بل بالشفافية الكاملة، وكشف الرؤوس الكبيرة، وإطلاع الناس على تفاصيل الشبكات ومصادر نفوذها. لأن الفساد في العراق لم يعد مجرد جرائم فردية، بل تحول إلى منظومات متشابكة تمتلك المال والعلاقات والقدرة على الاختباء خلف واجهات متعددة.

إن أخطر ما في هذه القضايا ليس حجم الأموال فقط، بل الاعتياد على سماعها دون نتائج حاسمة. فحين تصبح أخبار “محاولة سرقة تريليون” حدثًا متكررًا لا يُحدث صدمة سياسية أو قضائية كبرى، فهذا يعني أن الخلل لم يعد في الجريمة وحدها، بل في البيئة التي تسمح بإنتاجها مرارًا.

العراق اليوم لا يحتاج إلى بيانات مقتضبة بقدر حاجته إلى وضوح وشجاعة في كشف الحقائق كاملة. فالشعوب لا تستعيد ثقتها بالدولة عبر الأرقام، بل حين ترى أن القانون قادر على الوصول إلى الجميع دون استثناء، وأن الفاسد لا يبقى مجهول الاسم مهما كان نفوذه أو موقعه.

شاهد أيضاً

اشهر مواقع الدردشة العراقية

اشهر مواقع الدردشة العراقية والتي احتلت الصدارة من ناحية عدد المستخدمين ومرات الدخول من كافة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *