حين كان المسرحُ سوقاً، اختارت آلاء حسين أن تكون للفنّ ذاكرةً وكرامة, وحين صار الموقفُ امتحاناً، ظلّت وفيّةً لما آمنت به من قيمٍ وطنية وإنسانية.
في زمنٍ تحوّل فيه جزءٌ من المسرح إلى تجارة، وغلبت عليه حساباتُ الربح والإثارة، كانت آلاء حسين تقف في مكانٍ آخر؛ في قاعة حوار، حيث المسرح الجادّ، والفنّ الذي لا يُقاس بعدد التذاكر، بل بما يتركه من أثرٍ في الوعي والوجدان, قدّمت أعمالاً مسرحيةً راسخة، من بينها «تفاحة القلب» و«عرس الدم» و«ذهان»، لتؤكد أن الفنّ الحقيقي ليس سلعةً عابرة، بل موقفٌ جمالي وثقافي، وشهادةٌ على زمنه.
وحين ضاقت المساحات أمام الثقافة الجادّة، لم تكن آلاء بعيدةً عن المشهد الذي سعى إلى استعادة الروح الثقافية العراقية بعد سقوط الديكتاتورية؛ إذ ارتبط حضورها بجماعة «ناجين» الثقافية، في مرحلةٍ كانت فيها البلاد بحاجة إلى من يعيد الاعتبار للكلمة، ويمنح المسرح والثقافة فرصةً للنهوض من تحت ركام الاستبداد.
لم تكن المسألة بالنسبة إليها مجرد أدوارٍ تؤدّيها أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، بل كانت اختياراً لما تقبله وما ترفضه. ففي الوقت الذي اندفع فيه بعض الفنانين نحو أعمالٍ غذّت الصور النمطية عن العراق، أو استثمرت جراحه وتناقضاته لتحقيق الانتشار، ظلّت آلاء حسين، بحسب مسيرتها الفنية ومواقفها المعلنة، حاضرةً في المساحات التي رأت فيها قيمةً فنيةً وإنسانيةً تستحق أن تُقدَّم للجمهور.
وفي الدراما، لا يمكن فصل الفنّ عن الذاكرة الجمعية، ولا عن الأسئلة التي خلّفتها الحروب والاستبداد. ومن هنا تأتي أهمية الأعمال التي تناولت مأساة الإنسان العراقي، وفي مقدمتها «الحب والسلام»، بما تحمله من دلالاتٍ تتصل بالحرب وآثارها، وبما تطرحه من أسئلةٍ عن الإنسان والوطن والثمن الذي يدفعه الأبرياء في صراعات السلطة.
أما حين تحوّلت الإساءة إلى أبناء الجنوب إلى مادةٍ للتندر أو وسيلةٍ لاستثارة الانقسامات، فإن الفنانة التي تحترم جمهورها لا تحتاج إلى خطابٍ طويل كي تثبت موقفها؛ فالمعيار الحقيقي هو ما تختاره من أدوار، وما ترفض أن تكون جزءاً منه، وكيف تنظر إلى العراقيين بوصفهم شعباً واحداً، لا صوراً نمطيةً تتنازعها الجغرافيا والطائفة.
وفي لحظة الاحتجاجات العراقية في تشرين، حين ارتفعت أصوات الشباب مطالبةً بالإصلاح والكرامة ومحاسبة الفاسدين، كان الانحياز إلى مطالب المتظاهرين موقفاً يتجاوز الحسابات الفنية الضيقة, فالفنان حين يختار أن يكون قريباً من آلام الناس وتطلعاتهم، إنما يستعيد دوره بوصفه جزءاً من المجتمع، لا مجرد وجهٍ يتنقل بين الشاشات.
وحين اتجهت صناعة الترفيه العربية إلى مواسمها الضخمة وإمكاناتها المالية الواسعة، بقي السؤال الأهم: هل يستطيع الفنان أن يحتفظ بذاكرته الوطنية وسط هذا الضجيج؟ وهل تبقى للشهيد مكانته حين تصبح الصورة خاضعةً لمعايير السوق، ويغدو الانتشار غايةً تتقدم على المعنى؟
إن قيمة الفنان لا تُقاس فقط بما يشارك فيه من أعمال، بل أيضاً بما يحفظه من ذاكرة وطنه، وبقدرته على ألا يسمح للمال بأن يمحو الأسئلة التي تركتها التضحيات، أو أن يحوّل المأساة الوطنية إلى تفصيلٍ هامشي في مشهدٍ ترفيهي واسع.
ومن هذا المنطلق، فإن الجدل الذي أُثير بشأن موقف آلاء حسين من إيران في سياق الحرب مع الكيان الإسرائيلي لا ينبغي أن يتحوّل إلى محاكمةٍ تختزل مسيرتها كلها في موقفٍ سياسي واحد. فمن حقّ الناس أن يناقشوا مواقف الفنانين، وأن يختلفوا معها أو يتفقوا، لكن ليس من الإنصاف أن تُمحى عقودٌ من العمل الفني والمواقف العامة بكلمةٍ جارحة، أو أن يصبح الانتماء الطائفي معياراً للحكم على وطنية الإنسان.
الموقف السياسي يُناقَش، أما التخوين فلا يصنع حواراً، والطائفة لا تمنح أحداً شهادةً بالوطنية ولا تسلبها من أحد.
إن الوقوف مع إيران في موقفٍ سياسي أو إقليمي لا يعني بالضرورة تبنّي كل سياساتها، مثلما أن معارضة سياساتها لا تمنح أحداً حقّ الإساءة إلى الفنانة أو التشكيك في انتمائها العراقي. فالمواقف تُقرأ في سياقاتها، وتُناقَش على أساس حججها ونتائجها، لا من خلال حملات التشهير والتصنيف المسبق.
ولعلّ ما يستحق التأمل في تجربة آلاء حسين هو أن الفنانة لا تُعرَف من موقفٍ منفرد، بل من مجمل مسيرتها، ومن خياراتها الفنية، ومن قدرتها على الاحتفاظ بصوتها الخاص في بيئةٍ كثيراً ما تُكافئ المسايرة وتُعاقب الاختلاف.
لا تحتاج آلاء حسين إلى بطاقةٍ مصرفية كي تثبت أصالتها، ولا تحتاج إلى شهادةٍ من أحد كي تُعرَف هويتها الفنية. ما تحتاج إليه هو أن تُقرأ تجربتها بإنصاف، بعيداً عن ضجيج الحملات الموسمية، وأن يُمنح تاريخها حقّه في النقاش والتقييم، لا أن يُختزل في صورةٍ أو زيارةٍ أو تصريح.
أما «الخاتون» التي يتطلع إليها هذا الخطاب، فلا تُصنع بالتقليد، ولا تُمنح بالألقاب، بل تتكوّن من وعيٍ وشجاعةٍ واستقلاليةٍ وقدرةٍ على تحمّل تبعات الموقف، مع احترام حقّ الآخرين في الاختلاف.
تحيةً لآلاء حسين، الفنانة العراقية التي تستحق أن تُناقَش تجربتها بميزان الفنّ والموقف، لا بميزان الطائفة والمال. وتحيةً لكل امرأةٍ عراقية تؤمن بأن هويتها الوطنية أوسع من الاصطفافات، وأن الفنّ الحقيقي لا يفقد قيمته حين يختلف الناس مع صاحبه، بل يزداد أهميةً حين يفتح باب النقاش بدلاً من أن يغلقه بالتخوين.
فالعراق أكبر من الطوائف، والفنّ أوسع من الأسواق، والإنسان أكبر من موقفٍ واحد. وفي بلدٍ أنهكته الانقسامات، تبقى الحاجة ملحّةً إلى خطابٍ يحمي حقّ الاختلاف، ويصون كرامة الفنان، ويضع الوطنية في مكانها الصحيح: سلوكاً ومسؤوليةً وانحيازاً لكرامة الإنسان، لا شعاراً يُرفع في وجه المختلفين.